سهيلة عبد الباعث الترجمان

757

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

الإجمال فيقول : " إن الشهود يعطيك الأمر المجمل مفصلا ، على أنه في نفس ذلك التفصيل باق على إجماله ، وهذا أمر ذوقي ، شهودي ، كشفي ، لا يدركه العقل من حيث نظره ، لكنه إذا وصل إلى ذلك المحل يعني القلب ، وتجلت عليه الأشياء قبلها وأدركها كما هي عليه . . . كذلك الحق سبحانه وتعالى لا سبيل إلى معرفته إلا من حيث أسماؤه وصفاته ، فيشاهد العبد أولا في أسمائه وصفاته مطلقا ويرقى بعد إلى معرفة ذاته محققا " « 1 » . ولما كانت الحقيقة الإلهية تتعالى أن تشهد بالعين « 2 » فقد جعل اللّه الموجودات مرائي تتجلى فيها أسماؤه وصفاته ، فظهرت بذلك الكنزية المخفية التي أشير إليها في الخبر « 3 » وهذه المرائي ليست سوى تجليات الحق سبحانه وتعالى ، حيث يتجلى بما شاء ، وكيف شاء ، فهو متجل في كل منقول ومعقول ومفهوم وموهوم ، ومسموع ومشهود ، فقد يتجلى في الصورة المحسوسة وهو عينها وباطنها ، وقد يتجلى كيف يشاء ، فهو متجل في كل منها وهو عينها وظاهرها . ويتجلى في الصورة الخيالية وهو عينها وظاهرها ، ولا يكون في الخيالية إلا هذا الظهور بأنه نفسها وعينها المشهود لكنه سبحانه وتعالى من وراء ذلك لا يتناهى « 4 » . ولما كان العقل قاصرا عن إدراك مثل هذه التجليات جميعها ، والحقيقة الإلهية تتعالى أن تشهد بالعين المبصرة ، فقد جعل الصوفية من القلب أداة يستدلون بها على معرفة الحقيقة إذ أن القلب مركز الإيمان والتصديق بالأمور الإلهية ، لذلك فإن الجيلي يرى أن المشاهدة هنا مشاهدة قلبية لأن الصوفي يرى ببصيرته ما عمي على بصره وغاب عنه . فالقلب إذن هو مركز شهود الحق تعالى فقال : وقلبي منذ أبقاه حسنك عنده * تحيّاته منكم إليكم تسارع « 5 » فقوله هذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على تعلق القلب بالحق وبقائه عنده بالفناء فيه ، مشاهدا له على كل حال ، فكانت تحيات ذلك القلب وتسليماته تسارع من الحق تعالى

--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 10 . ( 2 ) ابن عربي ، المنازلات ، مخطوط بالمعهد الأحمدي ، طنطا ، رقم 658 / 4 ، ورقة أولى . ( 3 ) الحديث : سبق تخريجه . ( 4 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الثاني ، ص 3 . ( 5 ) الجيلي ، النوادر العينية ، ( القصيدة ) ، البيت 76 ، ص 148 .